محمد متولي الشعراوي
1150
تفسير الشعراوي
إن « ثم » تأتى في هذا المعنى لوجود مسافة زمنية تراخى فيها الإنسان عن فعل المن . فالحق يمنع المن منعا متصلا متراخيا ، لا ساعة العطاء فحسب ، ولكن بعد العطاء أيضا . وشوقى أمير الشعراء - رحمه اللّه - عندما كتب الشعر في حمل الأثقال ، وضع أبياتا من الشعر في مجال حمل الأثقال النفسية ، فقال : أحملت دينا في حياتك مرة ؟ * أحملت يوما في الضلوع غليلا ؟ أحملت منّا في النهار مكرّرا ؟ * والليل من مسد إليك جميلا ؟ وبعد أن عدد شوقى أوجه الأحمال الثقيلة في الحياة قال : تلك الحياة وهذه أثقالها * وزن الحديد بها فعاد ضئيلا كأن المن إذن عبء نفسي كبير . ويطمئن الحق سبحانه من ينفقون أموالهم دون منّ ولا أذى في سبيل اللّه بأن لهم أجرا عند ربهم . وكلمة « الأجر » - والإيضاح من عند الرب - هي طمأنة إلى أن الأمر قد أحيل إلى موثوق بأدائه ، وإلى قادر على هذا الأداء . أما الذي يمن أو يؤذى فقد أخذ أجره بالمن أو الأذى ، وليس له أجر عند اللّه ؛ لأن الذي يمن أو يؤذى لم يتصور ربّ الضعيف ، وإنما تصور الضعيف . والمنفق في سبيل اللّه حين يتصور رب الضعيف ، وأن رب الضعيف هو الذي استدعاه إلى الوجود ، وهو الذي أجرى عليه الضعف ، فهو يؤمن أن اللّه هو الكفيل برزق الضعيف ، وحين ينفق القوى على الضعيف فإنما يؤدى عن اللّه ، ولذلك نجد في أقوال المقربين : « إننا نضع الصدقة في يد اللّه قبل أن نضعها في يد الضعيف » ولننظر إلى ما فعلته سيدتنا فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . لقد راحت تجلو الدرهم وتطيبه ، فلما قيل لها : ماذا تصنعين ؟ قالت : أجلو درهما وأطيبه لأنى نويت أن